الإنتظار

في زاوية المدينة القديمة، حيث تتشابك الأزقة وتختبئ الأبواب الخشبية بين الظلال، جلست ليلى على عتبة دكان صغير لا يكاد أحد يلاحظه.
كانت تنتظر شيئًا غامضًا، شعورًا لا يمكن وصفه، مزيجًا من الأمل والخوف والحيرة.
تمرّ وجوه الناس من حولها بسرعة، وكل وجه كمرآة تكشف ضعفها وحنينها، لكنها بقيت صامدة.
الرياح تعصف بخصلات شعرها، والبرد يلسع يديها، لكنها لم تتحرك.
همست لنفسها: “الله لا ينسى… الله لا ينسى.”
وكل مرة تتكرر هذه الكلمات في قلبها، شعرت بشيء من القوة ينهض فيها، شيئًا يجعلها أقوى من كل الضوضاء حولها.
مرت الساعات، والشوارع صارت أكثر صخبًا، أكثر صعوبة، وكل شيء بدا وكأنه يريد أن يختبر صبرها.
ثم، فجأة، مرّ طفل صغير برفقة قطة سوداء. نظر إليها بعينيه اللامعتين، وابتسم ابتسامة صغيرة، بريئة، لا يعرف سببها.
لكن تلك الابتسامة كانت كشرارة، أضاءت قلب ليلى المرهق، وذكرتها أن حتى أصغر لحظة من الحياة تحمل سحرها.
وقفت ليلى، قلبها ينبض بحماسة جديدة، كأن المدينة كلها بدأت تغني لها سرًا لا يفهمه أحد سواها.
تقدمت بخطوات أسرع، كل خطوة تثبت لها أن الصبر ليس مجرد انتظار، بل هو معركة خفية يربحها من يمتلك الإيمان والجرأة.
دخلت إلى بيتها، وعيونها تتلألأ بوميض لا يمكن لأحد رؤيته إلا هي.
عرفت أن الانتظار ليس خسارة، بل بوابة لكل ما هو قادم، وأن الضوء لا يظهر إلا حين يتحد الظل مع الصبر.
وفي تلك اللحظة، شعرت بأن كل شيء حولها بدأ يتحرك معها: الرياح صارت أغنية، المدينة صارت مسرحًا، وقلبها صارت له جناحان يطيران بلا خوف.
